بقلمأ.د. محمد نبيل جامع
أستاذ علم اجتماع التنمية بجامعة الإسكندرية
بعد صبر عامين تقريبا على بذاءات ندرة من المعلقين على كتاباتي، أستغل موضوع هذا المقال حتى أتعرف على هؤلاء المعلقين حتى أمحوهم من قائمة بريدي الإلكتروني لكي لا يعكروا صفاء ذهني، وأستمر في القيام بواجبي الوطني كمفكر وباحث في علم اجتماع التنمية، وكمواطن عادي يبغي رفعة مصر والمصريين.
تيار الإسلام السياسي بعد أن قبض على رأس السلطة في مصر أصبح محل الحساب والنقد والتوجيه نظرا لأن مصيري وأبنائي وأحفادي ومصير مصر كلها بات في عنق هذه القلة التي ساقتها الظروف إلى سدة الحكم.
"الإخوان أسيادكم" قيلت بعصبية زاعقة لأستاذ فنون تشكيلية من طرف قيادي إخواني كثير الظهور في الفضائيات، والنقاء الإخواني، والزواج من داخل الإخوان، وتقبيل يد المرشد والتسابق على إلباسه الحذاء وهو راض سعيد، وتصوير المواطنين العاديين الآخرين بأنهم لبراليون علمانيون وكفار أيضا، والقارئ أَدْرَى من الكاتب بمثل هذه العلامات التي تعلن عن ظاهرة "خيلاء العظمة"، و "جنون الارتياب والملاحقة"، واحتقار الآخر، والشعور بالاضطهاد، والعقيدة بأنهم "الفئة الناجية"، وبأنهم "بودي جارد" الجنة، وأخيرا الشعور بالرضا والإنجاز ورسم ابتسامة الانتصار والغرور بعد وصولهم الهزلي لحكم مصر. كل هذا يعبر عن مقدمة الإصابة بمرض عضال هو ما يمكن أن نطلق عليه "البارانويا السياسية الإخوانية"، والذي ينطلق من "البارانويا الدينية". والبارانويا الدينية كما يعلم القارئ تمثلت أكثر ما تمثلت في عقيدة اليهود بأنهم "شعب الله المختار"، وما أدى إليه ذلك من اضطهاد الآخرين لهم حتى وصل الأمر قمته في هجمة النازية عليهم. وقد بث اليهود تلك المشاعر في أطفالهم حتى أنهم أصبحوا بالفعل مصابين بهذا المرض العضال، البارانويا أو جنون العظمة والارتياب والملاحقة، وهو سلاحهم الماضي الذي ساعدهم في الوصول إلى ما وصلت إليه الصهيونية العالمية اليوم. فهل يكرر الإخوان المسلمون مسار البارانويا اليهودية؟
هل هناك في إيديولوجية الإخوان المسلمين ما يجعلهم يحتقرون المسلمين الآخرين مثلما احتقر اليهود الشعوب غير اليهودية بناءً على التعاليم التلمودية التي لا ينكرها اليهود؟ بالطبع وكل تأكيد لا يمكن أن يكون الإسلام مصدرا لمثل هذه المشاعر الاستعلائية العنصرية الطائفية. إذن فمن يدعي أنه مسلم ويصاب بمثل هذه المشاعر فلابد أن يكون قد اكتسب مرضا عضالا وجب عليه التخلص منه فورا.
ظنت القيادات الإخوانية أنهم يد الله وسدنته في الأرض، ومن ثم فأخذهم غرور الزعامة ومعه شهوة اعتلاء السلطة للتمكين، واستخدموا أساليب العنف والتآمر، فما كان من الحكام المصريين عن بكرة أبيهم إلا أن ضربوا عليهم بيد من حديد فتعرضوا للتعذيب والسجن المستمر والحظر، وكان معهم مقاومون آخرون. ومع ذلك كانوا يتآمرون في ظل هذا الحظر ليصلوا إلى السلطة حتى كان آخر إنجازاتهم إنجاز الثمان والثمانين عضوا الشهير في مجلس فتحي سرور. واستمروا في استخدام سلاح الاضطهاد والتمسكن حتى يحققوا مآربهم. وتمادى التيار الإسلامي في استخدام هذا السلاح حتى أصبح يشمل بجانب اضطهاد الحكام سابقا اضطهاد الإعلام حاليا، بجانب اضطهاد اللبراليين والعلمانيين لهم، وكذلك اضطهاد القضاء لهم، بل ويمتد الأمر إلى ادعاء البعض منهم باضطهاد الأزهر لهم لمجرد أن الأزهر يؤمن بالدولة المدنية الحقة وهم يتلفظون بها أحيانا مراءاة ونفاقا ويلعنونها بالطاء والزاي أحيانا أخرى ويؤكدون على سعيهم لدولة الخلافة وأستاذية العالم مرارا وتكرارا. لم يبق إلا أن يدعي الإخوان أن الشعب يضطهدهم، بل والدور علي السلفيين أيضا ليس ببعيد، ذلك لأن الإخوان والسلفيين يتنازعان الآن على امتلاك السلطة الدينية ضد الأزهر، وكل ذلك بسبب الغرور وخيلاء العظمة الدينية.
صدق علماء النفس (فرويد - يونج – زيور)، وصدقت في التبليغ عنهم الدكتورة الشهيرة منال عمر، عندما يقولون أن المضطهد يشعر بالذل والخنوع والخضوع، وحتى لا يشعر بعار هذا الذل، يتولد عنده الانبهار بالقاهر مما يدفع المضطهد إلى تقليد هذا القاهر ثم يتقمص شخصية هذا القاهر ثم في النهاية يتوحد معه ويصبح صورة مستنسخة منه. أما المقاوم الحق، أمثال صباحي وعبد الحليم قنديل، فلا يتوحد وإنما يتمرد ويثور. في حالة المضطهد، يتم كبت مشاعر مجابهة القهر وتخزن في اللاوعي لتنفجر براكين نارية بعد التمكين والغلبة، وهو ما يحاول الإخوان ممارسته الآن، ومستقبلا لو استمر تمكنهم، على كل من يشعرون بقهرهم سابقا وحاليا. أما المقاوم الحق فلا يتوحد مع القاهر ويسلك سلوكه لأنه لم يخضع له، وإنما أفرغ شحنات غضبه أثناء صراعه مع هذا القاهر. وهكذا يتم استنساخ نظام مبارك، وهو ما يحدث بالفعل حاليا، بل ستستمر مصر في التدهور بسبب مرض الإخوان بتلك البارانويا السياسية الإخوانية.
يظن البعض أن الإخوان ضعاف والدولة كلها فساد، وكان الله في عون الرئيس مرسي وهذا نوع آخر من التمسكن بالرغم من امتلاكه السلطتين التشريعية والتنفيذية معا. والحقيقة أن الرئيس مرسي ينفذ قرارات من أخطر ما يمكن على مستقبل هذا الوطن الجريح. من هذه الخطوات الخطيرة ما يلي:
1. غض الطرف عن إجراءات العدالة الاجتماعية مطلب الثورة الأساسي والاكتفاء بإجراءات ذر للتراب مثل فتح حساب هزلي يعلم الله سره وسر من سيتبرع له، وتعديل الضريبة بطريقة لا تمس اللصوص الحاضرين بكافة أطيافهم والقادمين على مائدة السلطة الإخوانية سواء من مصر أو من دول الخليج، ورفع سعر الغاز المنزلي، ومحاولة توفير الكهرباء الهزلية بغلق المحلات للنوم وصلاة الفجر حتى يرزق الله مصر، وما شابه ذلك من تفاهات "تنموية." دع الشعب ينبح والقافلة تسير.
2. الإصرار على نسخ دستور ملغم لدعم التمكين الإخواني وهيمنة تيار الإسلام السياسي المتطرف، وسلق هذا الدستور بحجة واهية مكشوفة هي الاستقرار والانطلاق.
3. الخضوع التام لأمريكا وإسرائيل والرأسمالية المتوحشة (صندوق النقد، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية) ضمانا للاستقرار الدولي من أجل تحقيق حلم الخلافة والأستاذية.
4. إطلاق حرية التكفيريين والجهاديين وإخراجهم من السجون والسماح باستمرار الفوضى في سيناء والتهيئة لأخطر ما يمكن أن يحدث من فتنة هائلة وعدوان على هذه البقعة الإستراتيجية العظمى من أرض المحروسة الحبيبة وتقسيمها.
5. الإهمال التام لسياسات وبرامج ومشاريع التنمية وبناء مصر وإنقاذ شعبها من العذاب والبؤس والفقر والمرض مع الاستمرار في أخونة الدولة والتحكم في مفاصلها الأساسية.
قرارات خطيرة يتخذها النظام الإخواني والسلفي الحاكم سواء بالطرق أو الترك، والشعب المصري البائس ينتظر، ولا يدري المصير الأسود الذي ينزلق إليه بأسرع مما لا يتصور البعض. فهل نراهن على وعي الشعب والشباب والنساء ويقظة ضمير المغرورين بهذا السراب الذي يدعي تمكين الإسلام في العالم، وقد كفر أحد قادته وآخر اسمه "غنيم" العظيمين المؤمنين عمار على حسن والدكتور خالد منتصر؟ والله أكبر، والإسلام أرحب، وصلى الله عليك حبيبنا المصطفى، الرحيم والرحمة لأمته وللعالمين أجمعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
0 اكتب تعليق على "البارانويا السياسية الإخوانية واستنساخ نظام مبارك "